محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
374
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ أي موضع شربهم ونهرهم الذي يشربون منه . كُلُوا أي وقلنا لهم : كلوا من المنّ والسلوى ، واشربوا من الماء المنفجر ؛ فهذا كلّه من رزق اللّه . وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ « 1 » أي لا تبالغوا في الإفساد والعبث أشدّ الفساد ؛ فقيل : لا تعثوا في معنى لا تعيثوا ، يقال : عثا الرجل يعوث في معنى عاث يعيث . قال ابن عبّاس وأبو العالية : معناه لا تسعوا في الأرض مفسدين . قال ابن زيد : لا تطغوا ؛ وقيل : لا تعصوا في الأرض ؛ وقال المفضّل : معناه لا تفسدوا ، وليس في الكلام لا تفسدوا مفسدين لكن حسن ذلك لاختلاف اللفظين ؛ وقيل : معناه إذا أفسدتم فلا تبالغوا في الفساد ؛ والصحيح التكرير للتأكيد ، كما يقال : فلان عاقل لبيب . قال وهب « 2 » : قالت بنو إسرائيل لموسى حين جازوا البحر : بأيّ عدّة نبلغ الأرض المقدّسة وليس لنا مركب ولا زاد ولا طعام ولا شراب ؟ ! فادع اللّه يطعمنا ويسقينا ويحملنا ويكسونا ويظلّنا من الحرّ ؛ فأوحى اللّه تعالى إلى موسى : أنّي قد أمرت السماء أن تمطر عليهم المنّ ، وأمرت الرياح أن تأتي لهم بالسلوى ، وأمرت الحجر أن يتفجّر لهم بالماء إذا أنت قرعته ، وأمرت الغمام أن يظلّهم ويسير معهم إذا ساروا ، ويركد معهم من فوقهم إذا أقاموا ، وهكذا حكي عن محمّد بن إسحاق . الأسرار قال أهل العلم بآيات اللّه : إنّ في عصا موسى - عليه السلام - آيات مختلفات كان يضرب بها البحر ، فيظهر منها اثنا عشر طريقا يبسا ؛ وكان يضرب بها الحجر ، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا ؛ الطريق اليابس في البحر آية ظاهرة ، والعين النضّاخة من الحجر آية أخرى ظاهرة ، والعصا واحدة والضربة واحدة والأثر مختلف ؛ ففي البحر قد سلك كلّ سبط طريقهم ( 163 آ ) ومن الحجر قد عرف كلّ أناس مشربهم ، ومسالكهم في البحر اثنا عشر ، ومشاربهم من الحجر اثنا عشر ، ووزانها في هذه الأمّة القاصدة والدعوة الهادية أمور كلّها مطابقة :
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة والتفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : القصّة .